الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
183
تفسير روح البيان
بمسارعتهم إلى الاتباع فكأنه لم يتراخ من الإرسال والتبليغ بل وقعا في وقت واحد وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ قال الكاشفي [ نبود كار فرعون بر نهج رشد وصواب ] وقال غيره الرشد مستعمل في كل ما يحمد ويرتضى كما استعمل الغى في كل ما يذم ويتسخط فهو ضد الغى والرشيد بمعنى المرشد والاسناد مجازى . والمعنى وما هو مرشد إلى خير وهو عى محض وضلال صريح وانما يتبع العقلاء من يرشدهم ويهديهم لا من يضلهم ويغويهم وفيه تجهيل لمتبعيه يَقْدُمُ في الصحاح قدم بالفتح يقدم قدما اى تقدم وهو استئناف لبيان حاله في الآخرة قَوْمَهُ جميعا من الاشراف وغيرهم يَوْمَ الْقِيامَةِ اى يتقدمهم يوم الآخرة إلى النار وهم خلفه ويقودهم إلى النار كما كانوا يتبعونه في الدنيا ويقودهم إلى الضلال فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ اى يوردهم ويدخلهم فيها . وإيثار صيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع لا محالة لان الماضي متيقن الوجود واعلم أن الورود عبارة عن المجيء إلى الماء والا يراد إحضار الغير والمورد الماء فشبه فرعون بالفارط الذي يتقدم الواردة إلى الماء واتباعه بالواردة والنار بالماء الذي يردونه ثم قيل وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ اى بئس المورد الذي يردونه النار لان الورد انما يورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار على ضد ذلك وَأُتْبِعُوا اى الملأ الذين اتبعوا امر فرعون فِي هذِهِ اى في الدنيا لَعْنَةً لعنة عظيمة حيث لعنهم من بعدهم من الأمم وَيَوْمَ الْقِيامَةِ اى حيث يلعنهم أهل الموقف قاطبة فهي تابعة لهم حيثما ساروا دائرة معهم أينما داروا فكما اتبعوا امر فرعون اتبعتهم اللعنة في الدارين جزاء وفاقا أو يلعنون ويطردون من رحمة اللّه تعالى في الدنيا بالغرق والآخرة بما فيها من عذاب فان كل معذب ملعون مطرود من الرحمة كما أن كل مخذول محروم من التوفيق والعناية كذلك واكتفى ببيان حالهم الفظيع عن بيان حال فرعون إذ حين كان حالهم هكذا فما ظنك بحال من أغواهم وألقاهم في هذا الضلال البعيد وحيث كان شان الاتباع أن تكون أعوانا للمتبوع جعلت اللعنة رفدا لهم على طريقة التهكم فقيل بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ الرفد قد جاء بمعنى العون وبمعنى العطية والملائم هنا هو الأول قال الزجاج كل شئ جعلته عونا لشئ وأسندت به شيأ فقد رفدته . والمعنى بئس العون المعان رفدهم وهي اللعنة في الدارين وذلك ان اللعنة في الدنيا رفد للعذاب ومددله وقد رفدت باللعنة في الآخرة . وفي الآية بيان شقاء فرعون وانه لم ينفعه إيمانه حين الغرق ولو نفعه لما كان قائد قومه إلى النار وفي الفتوحات في الباب الثاني والستين المجرمون اربع طوائف كلها في النار لا يخرجون منها وهم المتكبرون على اللّه تعالى كفرعون وأمثاله ممن ادعى الربوبية لنفسه ونفاها عن اللّه تعالى فقال يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي وقال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى يريد انه ليس في السماء اله غيرى وكذلك نمرود وغيره وقال في الفتوحات في موضع آخر هو معتقدي وغير هذا قلت على سبيل البحث والاستكشاف انتهى وعلى هذا يحمل ما في فصوص الحكم من كونه مقبوضا على الطهارة فتدبر وامسك لسانك عن الشيخ فان لكلمات الكبار محامل كثيرة والقرآن لا ينقضى عجائبه وهي بكر بالنسبة إلى أرباب الرسوم هدانا اللّه وإياكم إلى حقيقة العلم والعمل